محمد بن جرير الطبري

47

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

أهل الحجاز والبصرة : " من الرهب " بفتح الراء والهاء . وقرأته عامة قراء الكوفة : " من الرهب " بضم الراء وتسكين الهاء ، والقول في ذلك أنهما قراءتان متفقتا المعنى مشهورتان في قراء الأمصار ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . وقوله : فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ يقول تعالى ذكره : فهذان اللذان أريتكهما يا موسى من تحول العصا حية ، ويدك وهي سمراء ، بيضاء تلمع من غير برص ، برهانان : يقول : آيتان وحجتان وأصل البرهان : البيان ، يقال للرجل يقول القول إذا سئل الحجة عليه : هات برهانك على ما تقول : أي هات تبيان ذلك ومصداقه . وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ العصا واليد آيتان . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ تبيانان من ربك . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ هذان برهانان . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ فقرأ : هاتُوا بُرْهانَكُمْ على ذلك آية نعرفها ، وقال : برهانان آيتان من الله . واختلفت القراء في قراءة قوله : فَذانِكَ فقرأته عامة قراء الأمصار ، سوى ابن كثير وأبي عمرو : فَذانِكَ بتخفيف النون ، لأنها نون الاثنين ، وقرأه ابن كثير وأبو عمرو : " فذانك " بتشديد النون . واختلف أهل العربية في وجه تشديدها ، فقال بعض نحويي البصرة : ثقل النون من ثقلها للتوكيد ، كما أدخلوا اللام في ذلك . وقال بعض نحويي الكوفة : شددت فرقا بينها وبين النون التي تسقط للإضافة ، لأن هاتان وهذان لا تضاف . وقال آخر منهم : هو من لغة من قال : هذاآ قال ذلك ، فزاد على الألف ألفا ، كذا زاد على النون نونا ليفصل بينهما وبين الأسماء المتمكنة ، وقال في ذانك إنما كانت ذلك فيمن قال : هذان يا هذا ، فكرهوا تثنية الإضافة فأعقبوها باللام ، لأن الإضافة تعقب باللام . وكان أبو عمرو يقول : التشديد في النون في فَذانِكَ من لغة قريش . إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ يقول : إلى فرعون وأشراف قومه ، حجة عليهم ، ودلالة على حقيقة نبوتك يا موسى . إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ يقول : إن فرعون وملأه كانوا قوما كافرين . القول في تأويل قوله تعالى : قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ . . . فَأَرْسِلْهُ يقول تعالى ذكره : قال موسى : رب إني قتلت من قوم فرعون نفسا ، فأخاف إن أتيتهم فلم أبن عن نفسي بحجة أن يقتلون ، لأن في لساني عقدة ، ولا أبين معها ما أريد من الكلام . وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً ، يقول : أحسن بيانا عما يريد أن يبينه . فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يقول : عونا . يُصَدِّقُنِي : أي يبين لهم عني ما أخاطبهم به . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً ، فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي : أي يبين لهم عني ما أكلمهم به ، فإنه يفهم ما لا يفهمون . وقيل : إنما سأل موسى ربه يؤيده بأخيه ، لأن الاثنين إذا اجتمعا على الخبر ، كانت النفس إلى تصديقهما ، أسكن منها إلى تصديق خبر الواحد . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي لأن الاثنين أحرى أن يصدقا من واحد . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي قال عونا . حدثنا القاسم ، قال : ثنا